سليمان بن موسى الكلاعي

178

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

فأخذ أبو بكر رضي الله عنه ، بيده فبكى ، وبكى خالد ، وبكى المسلمون وظنوا أنه يريد الشهادة ، وطال بكاؤهم ، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه ، قال : انتظر نمشى معك ، قال : ما أريد أن تفعل ، قال : لكني أريد ذلك ، ومن أراده من المسلمين ، فقام ، وقام الناس معه حتى خرج من بيوت المدينة ، فما رأيت مشيعا من المسلمين شيعه أكثر ممن شيع خالد بن سعيد يومئذ وإخوته ، فلما خرج من المدينة قال أبو بكر : إنك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيت ، وأنا موصيك فاسمع وصاتى وعها ، إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة في الإسلام وفضيلة عظيمة ، والناس ناظرون إليك ومستمعون منك ، وقد خرجت في هذا الوجه العظيم الأجر وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه بحسبة ونية صادقة إن شاء الله تعالى ، فثبت العالم ، وعلم الجاهل ، وعاتب السفيه المسرف ، وانصح لعامة المسلمين ، واخصص الوالي على الجهد من نصيحتك ومشورتك بما يحق لله وللمسلمين عليك ، واعمل لله كأنك تراه ، واعدد نفسك في الموتى وأعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعثون ثم مسؤولون ومحاسبون ، جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين ، ولنقمه من الخائفين . ثم أخذ بيده فودعه ، وأخذ بأيدي إخوته بعد ذلك فودعهم واحدا واحدا ، ثم ودعهم المسلمون ، ثم إنهم دعوا بإبلهم فركبوها ، وكانوا قبل ذلك يمشون مع أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين ، ثم قيدت معهم خيلهم ، فخرجوا بهيئة حسنة ، فلما أدبروا قال أبو بكر : اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، واحطط أوزارهم وأعظم أجورهم . ثم انصرف أبو بكر ومن معه من المسلمين . وقد قيل : إن أبا بكر رحمه الله ، جعل خالدا ردآ بتيماء لما عزله عن الجند وأطاع عمر رحمه الله « 1 » ، في بعض أمره وعصاه في بعض ، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله . وعن محمد بن خليفة أن ملحان بن زياد الطائي ، أخا عدى بن حاتم لأمه أتى أبا بكر رحمه الله ، في جماعة من قومه من طيئ نحو ستمائة ، فقال له : إنا أتيناك رغبة في الجهاد وحرصا على الخير ، ونحن القوم الذين تعرف الذين قاتلنا معكم من ارتد منا حتى أقر بمعرفة ما كان ينكر ، وقاتلنا معكم من ارتد منكم حتى أسلموا طوعا وكرها ، فسرحنا في أثر الناس ، واختر لنا وليا صالحا نكن معه .

--> ( 1 ) انظر خبر عزل خالد بن سعيد في : المنتظم لابن الجوزي ( 4 / 116 ) ، تاريخ الطبري ( 3 / 387 ، 388 ) .